عبد الله الأنصاري الهروي
68
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
[ اللّطيفة الثانية : أن تعلم أنّ نظر البصير الصّادق في سيّئته لم تبق له حسنة بحال ] قال رضي اللّه عنه : اللّطيفة الثانية : أن تعلم أنّ نظر البصير الصّادق / في سيّئته لم تبق له حسنة بحال ، لأنّه يسير بين مشاهدة المنّة وتطلّب عيب النّفس والعمل . ( 1 ) البصير هو الذي له بصيرة نفس يفتّش بها عيوب نفسه وعيوب عمله ، فإن رأى حسناته خالصة لوجه اللّه تعالى شاهدها منّة من اللّه تعالى عليه ، فليس له فيها شيء . وإن رأى حسناته ما خلصت للَّه تعالى ، بل كانت رياء وطلبا للجاه ، فليس له فيها شيء لأجل العيوب التي فيها وفي نفسه من النّفاق والرّياء ، فعلى الحالتين لم تبق له حسنة لكثرة طلبه لعيوب نفسه وعيوب عمله ، ولمشاهدته أنّ الحسنة السالمة من العيوب هي من المنّة الإلهية لا منه ، فأيّ حسنة تبقى للبصير الصّادق ، والصّادق هو الذي يشهد فعله بصحّة قوله . [ اللّطيفة الثالثة : إنّ مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ، ولا استقباح سيّئة ] اللّطيفة الثالثة : إنّ مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ، ولا استقباح سيّئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم . ( 2 ) الحكم هو نسبة الأفعال إلى اللّه تعالى من غير أثر لسواه فيها ، وهذا المعنى يوجب ألّا يكون للعبد حسنة يستحسنها ، ولا سيّئة يستقبحها ، لصعود جميع المعاني إلى معنى الحكم المذكور ، وتأمّل قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ « 8 » ، أي نفى كلّ شيء إلّا وجهه ، فله الحكم ، وأهل المعرفة يحملون لفظ الفناء على الكائن الحادث أزلا وأبدا لقهر سلطان الوحدانيّة دائما ، وإن عمي عن شهودها المحجوبون ، فإذا شهدها العبد فني عن الاستحسان والاستقباح
--> ( 8 ) الآية 88 سورة القصص .